أخر الأخبار

“ملحمة الغوطة”.. الثورة السورية حياة ممتدة وتاريخ يتنفس

“لا يمكن لكتب التاريخ أن تضخ الحياة في الأحداث وهي ترويها، بينما الرواة والأدباء هم من يفعلون ذلك” بهذه الكلمات افتتح الناشر رواية “ملحمة الغوطة – حرملة حب وقدر” للكاتب السوري “رامي القادري”.

لم تكتفِ هذه الرواية بتوثيق أحداث الثورة الأولى فحسب، بل تعدتها لتملأ بعضاً من الفراغ الأدبي والثقافي المتعلق بثورتنا كسوريين عرفوا أن ليس الذي ينتصر فقط هو من يكتب التاريخ، بل إن من يكتب التاريخ أيضاً ينتصر بشكل أو بآخر….

من هذا المنطلق جاءت رواية ملحمة الغوطة لتعرض الجانب الإنساني الذي لم تروه عناوين الأخبار، ولنرى الجروح النازفة حية أمامنا، ونسمع صوت سياط الجلادين تنال من حصن كرامتنا، ونسمع هدير الأصوات التي تنادي بالحرية قادمة من جوف مارد استيقظ داخلنا بعد خمسين سنة.

أسئلة وجودية في صيرورة الثورة

واكبت الرواية بدايات الثورة السورية وحكت لنا سيرة حياة الثوار أصحاب الأرض الذين نزفوا الدماء على مذبح حريتهم وحرية أجيال قادمة أرادوا لهم أن يعيشوا حياة لا كالتي عاشوها.

24 فصلاً تمتد على 413 صفحة، رحلة تشدك عبر الزمان والمكان تجعلك ترتقي في مراتب اليقين بين علم اليقين إلى عين اليقين وصولاً إلى حق اليقين، إذ ترى وتسمع وتشعر وتتفاعل حواسك كلها مع ما جرى في سوريا من ظلم وقهر وقمع وطائفية، وصولاً لأول صيحة للحرية، وذلك على نحو يؤدي فيه الكاتب أمانة الثورة فيجيب الأجيال القادمة عن أسئلة وجودية مثل: لماذا قمنا بثورة؟ كيف كنا نعيش في ظل حكم الأسدين؟ هل الثورة مؤامرة؟ هل الثوار إرهابيون؟ على ماذا بنت الأدلجة الإسلامية للثورة قواعدها؟ وغيرها من الأسئلة المحورية.

ميدان أحداثها

تجري أحداث الرواية في بلدات الغوطة، وتدلّ على معرفة وافية للكاتب بأحيائها وشوارعها، ودراية واسعة بتسلسل الأحداث التي مرّت عليها وخصوصاً في “جوبر” و”حرملة” اللتين تحتضنان الأحداث.

تبدأ الرواية من حواري دمشق وغوطتها، ويصنع الأحداث شخصيات يشبهوننا في كلّ شيء: الأفكار والأفعال، الطموحات والأحلام، الحاجات والرغبات، يومهم الروتيني بين العمل والدراسة وتناول الفطور السوري الشهير يوم الجمعة؛ إلى نهايات رسمت مصيراً مختلفاً يفوق التوقعات.

فقد تصدمك الرواية أحياناً بنقلاتها كأن تكون عائداً، على سبيل المثال، مع ذلك الشاب من عمله في أواسط عام 2011، لتجد نفسك معه في خندق تحت طلقات الرصاص وأزيز المجنزرات، ترنو إليه ممسكاً ببندقيته الملتهبة ينتظر إشارة الهجوم.

“الحراك المسلّح”.. منعطف الثورة الإشكالي

لعل أهم ما يميز الرواية وقوفها عند موضوع “تسليح الثورة” كنقطة فارقة في الصراع مع نظام الأسد، فجميعنا يعلم أن السلاح جعل الثورة تدخل منعطفاً كان بمثابة إغراق سفينة العودة، وقد تكلم الكثيرون عن حكمة وجدوى ذلك القرار، ولكن رواية القادري رصدت لحظة إطلاق أول رصاصة كرد من الثوار على عنف النظام، وشهدت فصولها تشكيل أولى كتائب الجيش الحر المسلحة، كما صوّرت لحظة أول صدام، ومن خلال التجوّل بين قرار التسلح ورجالاته، وتوقيته وسياقه وأسبابه، يرى الكاتب بأن خيار السلاح كان له مسوغاته وأسبابه، حيث وصلت الأحداث من وجهة نظره لمفترق طرق: إما الاستسلام وإعلان فشل الثورة، أو المضي قدماً باتجاه السلاح.

التفريق بين فصائل الجيش الحر و”جبهة النصرة”، قضية غاب عن كثيرين علاجها، فكانت للرواية سابقة بتناول هذا الموضوع والتفصيل فيه، ولا سيما أن معالجة الكاتب لهذه الفكرة لم يكن مباشراً ولا سرداً تاريخياً، بل جاء على شكل أحداث متسلسلة وحوارات تميزت بأسلوبها المتأني في العرض والإقناع، مورداً أدلته التي تنبي عن بحث وتمكُّن ومعرفة واسعة لإثبات اعوجاج منهج “جبهة النصرة”، وكيف أن سلاحهم انقلب من صد العدو لقتال أبناء جلدتهم وملتهم.

أثرٌ مُستدام وواقعيةٌ في اللغة

من المعروف أن الكاتب ينجح بقدر ما يجعل أبطاله أشخاصاً حقيقيين تشعر كأنك تعرفهم، وقد نجح (القادري) بذلك؛ فملحمة الغوطة من الروايات التي يصعب عليك بعد إنهائها أن تفارق أبطالها، ستشعر أنك مازلت تفكر وتعيش مع “يحيى وعمار”، ومازلت تبكي على “قتيبة” و”إسماعيل”، وتفكر بـ “أم يحيى” وماحل بها، وقلقاً على “هديل” محاولاً أن تجد لها مستقبلاً.

حوارات تلك الشخصيات كانت باللهجة العامية، الأمر الذي جعلنا نسمع أصوات أصحابها وكأنهم أمامنا.

أما لغة الرواية فكانت بالفصحى، ضمن أسلوب سلس ومبسّط خالٍ من التعقيدات، وآثر عدم التكلّف في الوصف وتفاصيل الأحداث، بل جاء وصفه وحواراته بشكل عفوي تمسك الشخصيات بدفتها دون أن يتدخل ليفرضها عليها.

واعتمد الكاتب أسلوباً تفصيلياً وتمثيلياً في وصف العمليات العسكرية على نحو يجعلنا نشارك الثوار المعارك، إذ أغناها في التوصيف والوقوف عند أدق التفاصيل، مبيناً الأيام والساعات والتكتيك العسكري وآليات الهجوم والدفاع وأنواع الأسلحة وغيرها.

وكان الكاتب ممسكاً بالخط الدرامي لأبطاله بطريقة محكمة، إذ سار معهم في تطورهم النفسي حتى اللحظة الأخيرة. وشرح كثيرا من العبارات والعادات والتفاصيل السورية المحلية من خلال ما كان يورده بين أقواس موثقاً بذلك لحياتنا كسوريين ومعرِّفاً بنا.

بصورة عامة، نرى في الرواية وأحداثها كيف أن كثيرا من المعضلات الكبيرة أصبحت منطقية، وكيف أن خيار النزوح/ الهروب من سوريا مبرَرٌ لكل من نزح وهُجِّر، وخيار الصمود مبرر لمن صمد، وخيار المقاومة مبرر لمن قاوم، وبالتالي فرواية “ملحمة الغوطة..” لم تكن قلماً يوثق الأحداث فحسب بل كانت كذلك صوراً ينفخ فيها الحياة لتبقى تتنفس دائماً في ضمائرنا وذاكرتنا، وليبقى أبطالها على قيد الحياة طالما أننا نرى فيهم صور وجوهنا، ونسمع منهم صدى أصواتنا، ونبض قلوبنا.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

الجيش الوطني يلقي القبض على خلية تعمل لصالح نظام الأسد

Hasan Kurdi

النظام يطوي ملف درعا: تقاسم نفوذ بين موسكو وطهران

Hasan Kurdi

بينهم من سوريا.. خطة بايدن لزيادة استقبال اللاجئين في أمريكا

Hasan Kurdi

إجراءات السفر تقف حاجزاً بين السوريين في الأردن وخارجها

Hasan Kurdi

اجتماع رباعي عربي لبحث تطورات الأزمة السورية

Hasan Kurdi

الأردن يحبط تهريب حبوب “كبتاغون” داخل شاحنة قادمة من سوريا

Hasan Kurdi