أخر الأخبار

مفخخات الشمال أحجية الموت السوري

لطالما ارتبطت مفردة “الحاجز” في المخيّلة والذهن السوري بالموت أو الاعتقال. فحواجز التفتيش هي المكان الأمثل لإطلاق النار على عربة لم تتوقف كما ينبغي، أو لضبط مطلوب لوليّ أمر أصحاب الحاجز. مطلوبٌ قد يذهب في رحلة لا عودة منها. على حواجز نظام الأسد قتل مئات السوريين واعتقل الآلاف، وما زال الحاجز يمارس مهامه الرديئة حتى يومنا هذا في عموم مناطق السيطرة.
في الشمال السوري، لو خرجتَ من مدينة إدلب متوجها إلى “اعزاز” عبر دارة عزة الباسوطة عليك أن تأخذ باعتبارك أنك سوف تمر على 23 حاجزاً. تعود تبعية تلك الحواجز لكل من هيئة تحرير الشام، الجبهة الوطنية للتحرير، أحرار الشرقية، الشامية، السلطان مراد، الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني، فيلق الشام. ومجمل المسافة التي ستقطعها في رحلتك لا تتجاوز 97 كيلومترا. مع ذلك، سيلزمك حتى تصل ثلاث ساعات ونصف في أوقات التوتر، وأحياناً أكثر. بالتأكيد ليس الزمن هو هاجسك الأول وأنت تسلك هذا الطريق. إن غيّرت الطريق  وعبرت من دير بلوط جنديرس، فإنك ستصادف عدد الحواجز نفسه تقريباً، مع فارق التبعية والأسماء فتغيب “الشامية” لتحل مكانها فرقة سليمان شاه، السمرقند، السلطان ملكشاه، جيش الإسلام، فرقة خالد بن الوليد. أجل، كل طريق له سلسلة “فاتحين من الصحابة أو التابعين”.
“مدنيٌّ أم عسكريّ؟” يسألكَ العنصرُ على الحاجز. يتكرر  السؤال ذاته على كل الحواجز المنتشرة من جرابلس في الشمال، وصولاً إلى قرى ريف اللاذقية الغربي وجسر الشغور. إن كنت عسكرياً فأنت فوق الشبهات، أما إن كنتَ مدنيّاً فعليك أن تكون إعلامياً مرخّصاً أو إدارياً في إحدى المنظمات المعروفة لتنجو بيسر، وإلا فسيجبُ عليكَ تحمُّلُ وزر انتمائك اللعين لطائفة “المدنيين العاديين”. سوف تخضع لتفتيشٍ دقيق ومكثف. حيث يخضع التعامل معك لمزاج عنصر الحاجز في تلك اللحظة، ولبقايا أخلاق تلقاها في طفولته.
مبرّرُ عمليات التفتيش -بحسب الجهات المسيطرة- هو ضمان عدم دخول المفخخات أو موادها الأولية من الأقاليم المجاورة. بعد كلِّ انفجار يقع في إحدى البلدات، يتساءل السكان: “كيف تدخلُ المفخّخات، مع هذه السلسلة الطويلة من الحواجز؟”، ويتساءلُ الأكثر جرأة: “هل يخضع الجميع للتفتيش؟”. من الناحية الفنية، فإن الحواجز لا تملك من تقنيات الكشف الحديثة إلا مرايا مركبة على قضيب معدني يعكس هيكل السيارة من الأسفل. حتى اليوم، لم تعثر تلك المرايا على أية مفخخة أو مواد أولية يتم استخدامها في صناعة المتفجرات. هذا التفتيش ينطبق فقط على سيارات “المدنيين من الدرجة العادية”، فسيارات العسكريين لا تخضعِ حتى لتفتيش المرآة الساذج. أسلوب التفتيش بالمرآة معمولٌ به منذ سنوات، وهذا الأمر لم يعد خافياً على أحد، فما بالك بالجهات المتمرّسة بالتفجير. لا نحتاج إلى كثير ذكاء لنقدِّر بأنّ مرايا الحواجز لن تعثر يوماً على أي شيء.
إدارياً، لا تخضع سياراتُ العسكريين للتفتيش، بما فيها السيارات “المتمتعة” بمهمات عسكرية (تُعطى لأي حبيب)، ولم يثبت حتى الآن، وجود معايير لدى الجهات العسكرية، تضمن من جرّائها أنّ عشرات الآلاف من العسكريين وأحبائهم هم حقاً على الدوام فوق الشبهات. سلوكياً يروي الكثير من الناشطين حكايا معاناتهم مع بعض العناصر على الحواجز في ظلّ انتشار ظاهرة الرشوة العلنية مقابل خدمة “بمشّيك عالحارك”، وإلا فعليك انتظار حلقات لا تنتهي من التفتيش المتكرر كل بضعة كيلومترات.
رغم أن الرازق هو الله كما يعلم كل سكان هذا الشرق. سيخاطب عنصر الحاجز أستاذ مدرسة من “المواطنين العاديين”: “ارزقنا معلم”. لما تلكأ الأستاذ في الفهم، وجد العنصرُ نفسه مضطراً للتوضيح بأنه يحصل على منحة كل شهر أو كل أربعين يوماً، هي لا تكفي حتى إيجار المنزل. لا تصمد المبادئ حين تطغى الحاجة، وتصل إلى أفواه الأطفال المنتظرين عودة العنصر “المرزوق”. وليس هناك الكثير من المحصنين بالمبادئ، عند جيل تفتح وعيه على فوضى اجتاحت كل شيء. لا يحتاج الأمر إلى عناء التحليل لمعرفة أن قابلية شراء الذمم ترتفع في مثل هذه الظروف، وإن شراء الطريق أمر بالغ السهولة، لتنتقل أدوات الموت بيُسر عبر الحواجز على اختلاف راياتها.
“لا حاجة لإدخال أية مفخخات، أو مواد أولية من خارج (المحرَّر). هنا تستطيع شراء السي فور أو التي إن تي، وبقية اللوجستيات بالسهولة ذاتها التي تشتري بها كيساً من السّكر أو ربطة خبز” يقول ضابط مُبعد عن العمل العسكري، ككثيرين غيره. يؤكد المقدّمُ المنشقُّ عدم الحاجة لانتقال المفخخات عبر الأقاليم المتنازعة، فالحرب المستمرة منذ عشر سنوات، مع توفر أي مادة في (المحرَّر) لمن يملك الثمن، إضافة إلى وفرة المعلومات عبر الإنترنت، أنتجت العديد من الخبراء في مثل هذه الصناعة. يبدو أن هذا الاحتمال يمتلك الكثير من الوجاهة.
حين تتوفرُ كل المتطلبات المادية لصناعة الموت يبقى فقط إيجاد العنصر البشريّ المنفذ. هذه العملية يجب أن تكون عسيرةً ومضنية بحسب المنطق والحس الإنساني السليم، فالمصير هنا هو موت محتمل جداً للمنفذ ذاته، والضحايا ليسوا خصوماً مقاتلين على خطوط الجبهات بل مجرد أبرياء. أبرياء بينهم أطفال صغار كلّ مرة. المفاجأة أن البحث عن العنصر البشري المنفذ لم يعد عسيراً، إن كان من خلال انعدام الأخلاق والضمير الشخصي، أو من خلال اللعب على تناقض العقائد، خصوصاً حين يبلغ التناقض عند البعض عتبة وجوب إلغاء الآخر من الوجود، ووأد خطره على المشروع المقدس. نعم هناك ملايين الأبرياء في تلك المنطقة، لكن بينهم أعداد ليست قليلة من المتطرفين عرقياً ومذهبياً وفصائلياً، وحصة التطرف الفصائلي ليست الأقل، خصوصاً بين رفاق الأمس الذين دخل بينهم شيطان النفوذ والمال. كثير من التفجيرات، بحسب العارفين، كان وراءها فصيلٌ ينتقم من آخر بلغ حظوة أكبر عند المشغّل أو الداعم. ليس هناك بيئةٌ أكثر خصوبة لعمل مخابرات الدول من شمال سوريا بوضعه الراهن، بحسب بعض الناشطين، فكثير من أيدي المصالح الدولية تتزاحم بين أمعاء السوريين، وليس في هذه الأيدي إصبعٌ بريء من الدم.
حين يدوّي الانفجار في سوق شعبي أو أمام باب مدرسة أو فرن، ينشغلُ من بقي حيّاً بجمع الأشلاء وإسعاف أحياء لم يعودوا قادرين. لعدّة ساعات، تصبح المشاهد “ترند إخباري”، يتخللها إدانات وتحليلات لخصوم يتبادلون التهم. كل جهة تنسب العمل للتيار المعادي، فيساهم الجميع عن عمد في زيادة الاحتقان لدى أهل ضحايا اليوم ضد أهل ضحايا الغد. مفخخة في الغرب؟ إذاً المتهم الأول “قسد” ثم تأتي تالياً داعش وعملاء الأسد، أما التفجير في الشرق فحتماً سيتوجه الاتهام لواحدة من الفصائل المدعومة تركياً. ليس بين المذكورين في قائمة الاتهام المألوفة بريء، فكلهم أهل لهذه الأعمال مع مراعاة فارق القدرة، لكنهم ليسوا وحدهم حتماً، فالمتصارعون أكبر من هؤلاء، ولهم جميعاً مصلحة في استمرار نزف الدم، وزيادة موروث الحقد، وتمكين نزعة الثأر لدى الضحايا.
سألتُ صديقاً في عفرين عن أحواله، أجاب وكأنه أحد محكمي سجل “غينيس”: أسكن شارع الفيلات، وهو (ثالث أخطر شارع في العالم)، بعد شارعي الجلاء في إدلب وواكي في الباب. كلُّ شاحنة أو دراجة نارية أو كيس ملقى يشكل احتمال موت جماعي قد يجتاحنا، فيترك أرتالاً جديدةً من الضحايا والأسر المفجوعة. ويتابع: إذا ضنت الأرضُ علينا، فلن تعدم السماءُ وسيلة، فهي الأكثر رحابةً لسيناريوهات الموت. تبدأُ بقذائف الهاون أو القصف المدفعي، ولا تنتهي بطيران نظام الأسد أو الروس أو آخرين لا نعلمهم بعد. “مجزرة غربي مدينة معرة مصرين نتيجة قصف طائرة حربية روسية لمزرعة تقطنها أسرة مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال. قتلوا جميعاً”، هذا ما يتناقله ناشطون إعلاميون ومراسلون محليون الآن، بينما أبحث عن خاتمة مناسبة لمقالتي.

مقالات ذات صلة

سورية: 154 حالة اعتقال تعسفي خلال أكتوبر

Hasan Kurdi

توثيق “1794” لاجئاً فلسطينياً مغيباً قسرياً في سجون النظام السوري

Hasan Kurdi

ترامب خطط لقتل الأسد منذ أسابيعه الأولى في البيت الأبيض

Hasan Kurdi

رئيس جامعة حلب الحرة يكشف عدد الطلاب المستجدين والدراسات العليا بكافة فروعها

Hasan Kurdi

ارتفاع عدد الإصابات بكورونا في المناطق المحررة شمال غرب سوريا لـ 61

Hasan Kurdi

البادية السورية… ساحة استنزاف للنظام

Hasan Kurdi