أخر الأخبار

روسيا تستأنف تجنيد سوريين… والوجهة ناغورنو كاراباخ

أفرزت الحرب السورية العديد من الأوجه السلبية التي طاولت المجتمع السوري، تحديداً شريحة الشباب في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، الذين أجبرهم الفقر وقلة فرص العمل على التوجه نحو العمل المسلح كمرتزقة. واستغلت أطراف الحرب السورية، خصوصاً الفاعلين الدوليين والإقليميين المتنفذين، حاجتهم لتزج بهم في صراعاتها الإقليمية والدولية البعيدة عن الأرض والجغرافيا السورية، لكن القريبة من حضورها مع القضية السورية، بسبب تشابك المصالح.

وكشفت مصادر لـ”العربي الجديد”، أن روسيا عادت مجدداً لفتح باب التجنيد أمام الشبان السوريين في مناطق سيطرة النظام، لا سيما في محافظة السويداء جنوبي البلاد، بهدف إرسالهم إلى أرمينيا لمساندة الجيش الأرميني والقوات الروسية هناك. وتخشى روسيا تجدد المواجهات بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ، الذي شهد حرباً عنيفة في خريف العام الماضي، قبل توقف المعارك هناك، بموجب اتفاق سياسي وُصف بـ”الهشّ”. وبحسب المصادر، فإن الشباب تبلغوا بأن التطوع حالياً للتوجه إلى أرمينيا، وقد يتم لاحقاً إرسال البعض إلى أوكرانيا، لكن التسجيل يحصل من دون توقيع عقود مكتوبة.

وأفادت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد”، أن تجنيد الشبان من قبل الروس يأتي تحت بند “التعاقد الخارجي” وبرواتب مغرية تصل إلى ثلاثة آلاف دولار لكل مقاتل شهرياً. وكشفت أن المحامي المعروف في السويداء، محمد باكير، هو الجهة المخولة من الروس للإشراف على تجنيد الشبان والتعاقد معهم بترغيبهم بالمال والمرتبات العالية. ونوهّت إلى أن عدد المتقدمين من الشبان في السويداء للتعاقد بلغ 250 شاباً، تتراوح أعمارهم بين العشرين والخمسين عاماً.

تجنيد الشبان من قبل الروس يأتي تحت بند “التعاقد الخارجي”

وباكير معروف بتجنيده الشباب سابقاً بهدف إرسالهم إلى ليبيا للقتال إلى جانب المرتزقة الروس هناك، لمساندة مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر. ويتحدر باكير من مدينة شهبا، في ريف محافظة السويداء الشمالي، ومعروف عنه نسج علاقات مصلحية مع أفرع أمن النظام وضباط من الدول الداعمة له، تحديداً الروس والإيرانيين، وهو على استعداد لتنفيذ أي مطلب لإظهار الولاء وتحقيق المنفعة الشخصية بالنسبة له. وسبق له أن اعتنق المذهب الشيعي بغية تسهيل التعاون مع المليشيات الإيرانية في سورية، ليرتبط بعلاقات قوية مع “حزب الله” والمليشيات التابعة لـ”الحرس الثوري” الإيراني، بالإضافة لعلاقاته مع جميع الأفرع الأمنية في السويداء وغيرها. ومع تعاظم الدور الروسي في البلاد قدّم باكير أوراق اعتماده للروس، متحوّلاً إلى ذراع لهم في السويداء.

وحول آلية التعاقد، ذكرت المصادر أن طالب التعاقد يصطحب معه صوراً شخصية وصورة عن الهوية بالإضافة إلى 25 ألف ليرة سورية (12 دولاراً) لقاء تكاليف إصدار هوية التعاقد والتقرير الطبي والموافقات الأمنية، وإرسالهم إلى القاعدة العسكرية الروسية في مطار حميميم في ريف اللاذقية.  وأشارت إلى أن شروط العقد لجهة الراتب تبدأ من ألفي دولار وصولاً إلى ثلاثة آلاف دولار حسب الاختصاص والمهمة، ولمدة خمسة أشهر فقط.

وتحدث أحد المجندين المتحدرين من شهبا وهو عدي. ع، لـ”العربي الجديد”، فكشف أنه سجل اسمه ودفع ما عليه غير آسف على شيء، علماً أنه استفسر قبل ذهابه عن كل ما يتعلق بأرمينيا، وعلم أن المنطقة متوترة وتخضع لحسابات دولية معقدة قد تؤدي للانفجار مجدداً. واعتبر أن “كل ذلك أمر عادي طالما أن الموت واحد”، مضيفاً أن “العائد المادي مقارنة بليبيا هو كبير، وفي حال عودتنا سالمين، فإن هذا المبلغ قادر على أن يؤمن لي الاستقرار نوعاً ما على الصعيد المادي في الوطن، من دون التفكير بالهروب مجدداً من شبح الجوع والفقر الذي بات يعم البلاد”.

وأكد عدي أنه تلقى وعداً مع غيره من الشبان الذين تقدموا للتعاقد، بحصول كل مقاتل على 1200 دولار قبل الصعود إلى الطائرة من قاعدة حميميم العسكرية، لكنه لا يعلم ما إذا كانت وسائل التواصل متوافرة في أرمينيا بعكس ليبيا التي لا يسمح بها مطلقاً، ويضطر المقاتلون للتواصل السري مع عائلاتهم.

لكن تجنيد الشباب لا يلقى قبولاً من الكثيرين. وفي هذا السياق، ذكر أحد المحامين في محافظة السويداء لـ”العربي الجديد”، أن مسألة التجنيد باتت تلقى تذمراً اجتماعياً، لكنه نوّه إلى أن الفقر دفع الناس لما لا يطيقونه وبات العوز مبرراً لهم. ورأى أن “روسيا تواصل زج السوريين بمناطق توتر دولية، رغم مطالبة الأمم المتحدة لها بوقف إرسال المقاتلين. وتعتمد موسكو أساساً على شركاتها الأمنية للتعاقد مع الشبان السوريين، وغالباً ما يكون التمويل من البلد الذي تتورّط فيه بفعل حصولها على استثمارات حكومية في النفط والغاز والمنشآت الحيوية”. واعتبر أن “تجنيد الشبان وإرسالهم إلى أرمينيا هو مسعى جديد لروسيا من أجل وقف المصالح التركية التي تنمو في منطقة متنازع عليها، ينخرط فيها الأميركيون والإيرانيون بالإضافة إلى قوى الصراع الأساسية، أي أرمينيا وأذربيجان. ومن مصلحة روسيا ألا ترسل جيشها إلى هناك، خصوصاً بعد فرضها اتفاقا لوقف النار في ناغورنو كاراباخ، وهي الطرف الأساسي بها”. وأكد المحامي أن “مقتل أي مرتزق لا يعترف به دولياً، ولا يحسب على أحد، حتى لو كان من الجنسية الروسية فهو يبقى مرتزقاً، ولا يسبب موته توتراً بين الدول المتصارعة طالما أنه لا يحمل جنسيتها”.

أحد المجنّدين: العائد المادي في أرمينيا مقارنة بليبيا كبير ويؤمن الاستقرار

بدوره، اعتبر المدير التنفيذي لـ”رابطة المحامين السوريين الأحرار” المعارضة، سامر ضيعي، أن “قضية تشكيل مجموعات المرتزقة ومشاركتها مع الجيوش النظامية في الحروب ليست قضية حديثة؛ بل تعود إلى القرن 14، مع استئجار الإمبراطورية البيزنطية أفراداً من المرتزقة أطلق عليهم تسمية (الموكافار)، من منطقة تقع على الحدود الشمالية لإسبانيا، لمساعدتها على القتال ضد الأتراك. وكان للمرتزقة دور مهم في تحقيق النصر على الأتراك في ذلك الوقت”. وأضاف في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “هذه الظاهرة استمرت عبر العصور وصولاً للحربيين العالميتين الأولى (1914 ـ 1918) والثانية (1939 ـ 1945)، و بعدها كان للمرتزقة دور في النزاعات ذات الطابع الدولي والنزاعات المحلية الداخلية، وكون المرتزقة أفرادا مشاركين في نزاعات دولية، لا بد للقانون الدولي أن يتصدى للأمر ويحدد مركزا قانونيا لهم”.

وحول صفة المرتزق قانونياً، أفاد ضيعي بأن “المادة (47/2) من بروتوكول 1977 الملحق باتفاقيات جنيف لسنة 1949، عرّفت المرتزق وفقاً لستة بنود: أ) يجرى تجنيده خصيصاً محلياً أو في الخارج ليقاتل في نزاع مسلح. ب) يشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية. ج) تحفزه أساساً على الاشتراك في الأعمال العدائية، الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويبذل له فعلاً من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. د) ليس من رعايا طرف في النزاع ولا متوطناً بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. ه) ليس عضواً في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. و) ليس موفداً في مهمة رسمية من قبل دولة ليست طرفاً في النزاع بوصفه عضواً في قواتها المسلحة”. ونصّ البروتوكول أيضاً على عدم تمتع المرتزق بوضع المقاتل أو أسير الحرب.

وفيما يتعلق بحقوق المرتزقة بموجب القانون الدولي الإنساني العرفي، أشار ضيعي إلى أن “القاعدة 108 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون الإنساني العرفي الدولي تنص على أنه في سياق نزاع مسلح دولي، لا يحق للمرتزقة، وفقاً لتعريف البروتوكول الإضافي الأول، التمتُّع بوضع المقاتل أو أسير الحرب، ولا تجوز إدانتهم أو إصدار حكم عليهم بدون محاكمة سابقة. ولا يستحق المرتزقة الوضع الممنوح للمقاتل أو أسير الحرب (البروتوكول 1، المادة 47)، أو أيا من الفئات التي تستحق الحماية التي توفرها اتفاقيات جنيف، ما لم يكونوا جرحى أو مرضى رغم ضرورة أن يستفيدوا دائمًا من المعاملة الإنسانية. وطبقاً لاتفاقيات جنيف، يتحملون المسؤولية الجنائية إذا ما ارتكبوا جرائم حرب أو انتهاكات صارخة أخرى للقانون الإنساني. ويتمتعون بجميع الضمانات الأساسية الممنوحة لكلّ الأفراد”.

وتفاقمت مسألة تجنيد الشبان في العامين الأخيرين من كافة الجغرافيا السورية بهدف إرسالهم إلى نقاط اشتباك خارج الأراضي السورية في السنوات الأخيرة. واتُهمت روسيا وتركيا بشكل رئيسي بالوقوف وراء هذه العمليات.

 

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

النظام السوري يسعى لفرض منهاج دراسي يزيف حقائق الثورة

Hasan Kurdi

مرضى مناطق سيطرة “قسد” يبحثون عن العلاج في مناطق النظام والجيش الوطني

Hasan Kurdi

صناعة الملابس السورية تخسر 70% من الإنتاج

Hasan Kurdi

لوموند: الهدوء في درعا “لايزال غير مستتب ومرتبط بالتغيرات الإقليمية”

Hasan Kurdi

تهجير أهالي الغوطة الشرقية يفصل أمّاً عن ابنتها لسنوات

Hasan Kurdi

الجيش الوطني السوري يبدأ إصدار لوحات رقمية وتسجيل الآليات العسكرية في المناطق المحررة

Hasan Kurdi